الاثنين، 22 أكتوبر 2012

الحلقة الثالثة


عائلتي ..
لكمّ مقتُ وجودهم في حياتي ووجودي معهم ..
والد من النوع القاسي وكأن الزمن توقف به عند العشرينيات من هذا القرن ..
والدة ترى أن وظيفتها الوحيدة الإطعام والتنظيف وكلمة (الحنان) ليست في معجمها..
تشارك والدي القسوة حينما أرتأت أن ذلك ما أراده وما يرغب فيه ..
أخ مُدلل لم آخذ ربع الفرص التي أتاحاها له ، وحوّله التدليل إلى مستهتر آخر .
لكمّ حاولت الانفصال عنهم لكني لم أستطع .. ولكمّ حاولت التأقلم ولكني لم أحتمل ..
والآن لم يعودوا متواجدين في تلك الحياة وفي نفس الوقت ليسو بموتى ..
وأنا المسئول عن ما حدث لهم ..
هذا ما أردته يوماً ما ..
هذا ما حلمت به ..
أنا أستيقظ ولا أجدهم ..
ولكن حينما تحقق ما تمنيته أدركت أن الأمر ليس بتلك الروعة التي تخيلتها .

**********************************
 قالت لي :
- " لا تُخبرني أنك لم تكن تعلم أن اختفاء عائلتلك جزءاً من الاتفاق بينك وبين الوسيط ؟ "
أجبتها وأنا أجلس على الرصيف كمن صدمته شاحنة :
- " لا لم يكن كذلك ، لقد أضعت كل شيء .. وأضعت كل من حولي "
- " إذا أردت الدقة فليس الكل بعد "
- " ماذا تعنين ؟ "
جلست بجواري وقالت :
- " ما حدث لعائلتك سيحدث لكل من تعرفهم أو من كنت على علاقة بهم إن لم نجد حل لتلك الأزمة "
صمتت للحظة ثم استطردت :
- " كل من يُهمك أمرهم سيختفون من هذا العالم يا (شريف) .. كلهم بلا استثناء "
نظرت لها وقلت :
- " لا أعلم لماذا أشعر بأن نبرتك تحمل التهديد ؟ "
- " بل تحذير .. فأنت لا تُدرك حجم ما أقحمت نفسك فيه .. الأمر جد خطير "
نَهضَتْ وهي تقول :
- " هي بنا إلى منزلك  "
نظرت لها وابتسمت رغماً عني لوقع تلك العبارة على مسمعي .. وسرعان ما أدركَت هي سبب ابتسامتي وقالت :
- " يبدو أن نيّتك السوداء لم تتأثر بما حدث لك "
اتسعَت ابتسامتي على وجهي .. وخطر لي أنني لم أعرف أسمها حتى الآن فسألتها ..
أجابتني :
- " (ناملديم) .. ولا تسألني عن معناه من فضلك فلم أجد شخصاً إلا وسألني عن معنى هذا الاسم "
- " لا لن أسأل ولكن من المؤكد أن معناه الوردة باليوناني أو القمر بالفارسي كالعادة .. دعينا نتجه إلى المنزل وكفانا ثرثرة "

**********************************
من حسن الحظ أنني أسكن في الدور الأخير لذلك كان التسلق من السطح إلى الشُرفة من أسهل ما يُمكن ..
لا تقلقوا فلا مخاطر ها هنا .. فأنا أضمن أنني سأكون بخير إذا سقطت ..
هاهي مزية أخرى لحالتي ..
كأي لص محترف – وإن لم أكن لصاً ولا محترفاً من قبل – عالجت (شيش) الشُرفة ودلفت إلى داخل المنزل ..
أدركتُ كم كنا محظوظين لعدم سرقة منزلنا حتى الآن نظراً لما رأيته من سهولة الأمر .
كانت (ناملديم) تنتظرني خارج أمام باب الشقة ففتحت لها الباب ودَعَوتها للدخول ..
أرى منكم من يبتسم ويقول عبارات من عينة : (الله يسهلوه يا عم) و(الشيطان شاطر يابا) لذلك سأكتفي بأن أقول : له إذا أردت أن تصبح في نفس موقفي ووضعي فأهلا بك بشرط أن أكون مكانك الآن أنعم بنعمة المادية .
كعادة أي فتاة ظلت تتفحص المنزل بفضول لم يكن وقته .. إلى أن دلفنا إلى غرفتي وقمت بتشغيل الكمبيوتر الخاص بي بينما جلست هي على أريكة بالقرب من خزانتي .
- " هل تتوقع أن تجد شيئاً يقودك إليه مرة أخرى ؟ "
خرج السؤال منها تصاحبه نغمة بدء تشغيل (الويندوز) المعتادة ..
أجبتها بنفاذ صبر :
- " هل ترين أن إحباطي ضروري الآن ؟ "
لم تُجيبني .. ولم أنتظر منها إجابة وشرعت في فتح ال(ماسينجر) الخاص بي باحثاً عن محدثتي مع (الوسيط) ..
وكما توقعت لم يكن لها أثر .
ظللت أراجع تاريخ المتصفح لأصل لعنوان الموقع الذي وجدت به البريد الإلكتروني الخاص به ..
- " ما أمر تلك (الدبلتان) الفضية والذهبية الموجودتان في خزانتك ؟ "
أستدرت نحوها فوجدتها تقف أمام الخزانة فقلت لها بعصبية :
- " يبدو أنني لست الوحيد الذي فقد الذوق كما أتهمتينني من قبل .. ألم تسمعي عن مصطلح يُدعى (الخصوصية) ؟ "
قالت ببرود :
- " أنه مجرد فضول ؟ .. ولعلمك .. الخزانة لم تكن مغلقة "
- " وهل هذا وقته ؟ "
- " أنه فقط فضول .. لا أظن أنني أرتكبتُ جريمة "
أهملتها تماماً وعدت إلى ما أفعله ..
وكما تتوقعون وتوقعت ..
لا أثر لأي شيء وكأن الموقع لم يوجد من قبل ..
نعم كنت أعلم أن ما أفعله الآن هو مجرد عبث وكنت أتوقع أنني لم أجد أي شيء ولكنها كانت قشة أتعلق بها ولا أجد غيرها ..
- " لم تجد شيئاً أليس كذلك ؟ "
- " نعم "
- " كما توقعت "
وددت أن أطلب منها أن تُطربني بصمتها فليس هذا وقت إظهار الحكمة ..
قلت لهما معتصراً غيظي بداخلي :
- " وما الحل إذن أيتها العالمة ببواطن الأمور ؟ "
- " لا أعلم ولكن ما أعلمه جيداً أن الوقت يداهمنا واختفاء من تعرفهم قد بدأ "
في الواقع لم أتعرف على أشخاص جدد منذ عام .. فقد توقفت عن التعرف على أشخاص جدد عندما تَعطل لديّ جهاز التعرف عن من يصلح ومن لا يصلح منهم فصادقت بدلاً عن البشر كتاب ولفافة تبغ ..
إذن فمن تتحدث عنهم هم أشخاص خارج حياتي حالياً ولكن هل هذا سبباً كافياً لكي أتقبل أن يتم إيذائهم بسبب تصرفي الغير مسئول ؟
يوجد منهم من أكرهه بنفس درجة حبي له في وقت من الأوقات ولكن هل هذا سبباً لاختفائه من الحياة ؟
أنتشلتني (ناملديم) - والتي بدأت أشعر أن أسمها يحمل الطابع التركي - من تفكيري وقالت :
- " هل لي أن أعرف هل صاحبة (الدبلة) الذهبية من ضمن من ستفتقدهم إن أختفَت ؟ "
- " أنتي تُخرجيني عن شعوري بفضولك هذا وتدخلك في أمور حياتي الشخصية ؟ "
- " العالم سينتهي قريباً فربما تلك هي آخر مرة قد تبوح بها لأحد عن مشاعرك "
قلت لها بعصبية شديدة :
- " تتحدثين وكأن انتهاء العالم حتمي وكأن ذلك الوسيط هو إله بيده الأمر "
- " ليس بإله ولكنه أيضاً ليس ببشر وأياً كان ما خطط له فأظن أنه قد خطط له جيداً ..
أنت تتحدث عن كائن لا نعرف طبيعته ولا نعلم كنهه .. نحن نتعامل مع كيان قد لا يستوعبه عقل إنسان "
- " ربما لم أنجح في شيء طوال عمري ولكنني لم أعتاد أن يؤذى شخص واحد بسببي أو أكون سبب لإيذاء غيري ، ولن أكون جزءاً من مخططه هذا أو سبباً له .. أتفهمين ؟؟؟ "
- " أنت تتحدث وكأني أنا من أوقعتك بهذا الموقف .. أنت من أوقعت نفسك بتسرعك ورغبتك في الهروب من واقعك "
- " أعترف أنني تسرعت وأخطأت وها أنا أجني ثمار ما فعلته .. كل شخص له نهاية العالم الخاص به وأنا لم أجد في حياتي ما يجعلني أستمر بها .. بالنسبة لي كان العالم قد انتهى بالفعل "
- " وهل هذا كافي بأن تقوم بتلك الحماقة التي قمت بها ؟ "
أبتلعتُ غضبي بداخلي وقلت لها :
- " هل سيُفيد ندمي بشيء ؟ هل سيُفيد إشعارك لي بمدى حماقتي بشيء ؟ "
ظلت ترمقني بنظرات حانقة وكأنها تود خنقي فأستكملتُ حديثي – أو ثورتي عليها - قائلاً :
- " اختفاء اختفاء اختفاء .. إلى متى سأظل أستمع إلى ... "
وهنا تذكرت شيئاً كانت قد أخبرتني به من قبل ..
(برزخ التأهيل) يعج بحالات الاختفاء الغامضة التي لم يجد أحد تفسير لها ..
تركتها وعدت مُسرعاً مرة أخرى للكمبيوتر وكتبتُ في محرك البحث الخاص ب(جوجل) : (حالات الإختفاء الغامضة) .
سمعتها تقول :
- " ما الأمر ؟ "
لم أجيبها فأحضَرَت أحد المقاعد وجلَسَت بجواري وقرَأت عنصر البحث .
- " هل تظن أن ما تبحث عنه سيفيدنا بشيء ؟ "
- " ربما .. دعينا نرى "
بدأت النتائج في الظهور .. وقرأت بصوت عالي ما كُتب في أحد نتائج البحث :
- " في الأول من ديسمبر من عام 1946 ، اختفت طالبة اسمها (باولا ويلدن) – 18 عام - عندما تسير على طول السكة الحديدية داخل جبل (غلاستنبيري) ، ورآها زوجان في منتصف العمر كانا يتجولان خلفها بحوالي 90 متراً ، ولم يعد بإمكانهما رؤيتها حينما واصلت سيرها على السكة الحديدية ودارت حول جدار صخري بارز، لكنهما عندما التفا حول ذلك الجدار لم يعثروا عليها في أي مكان .. ومنذ ذلك الحين لم يرى أحد (باولا) أو حتى يسمع عنها .
في الأول من ديسمبر من عام 1949 ، اختفى السيد (تيتفورد) من أتوبيس مزدحم ، كان يجلس مع 14 راكباً آخر  كلهم شهدوا أنهم رأوه نائماً في مقعده ، وعندما وصل الأتوبيس إلى وجهته النهائية كان (تيتفورد) قد اختفى أما متعلقاته الشخصية فكانت موضوعة في حقيبة أمتعة ، ومنذ ذلك اليوم لم يعثر إطلاقاً عليه .
في عام 1809 اختفى الدبلوماسي البريطاني (بنيامين باثرست) في الهواء الطلق في بلدة (باثرست) ، كان عائداً إلى (هامبورغ) مع رفيق له بعد أن كان له مهمة في محكمة نمساوية وأثناء طريق عودته توقف ليتناول العشاء في فندق صغير في (بيريبيرغ) .. وبعد الإنتهاء من تناول العشاء عادا إلى عربتهما التي تجرها الجياد ، كان رفيقه يراقبه وهو يتفقد الجياد في مقدمة العربة وهنا اختفى ببساطة دون أي أثر .
في عام 1975 كان (جاكسون رايت) يقود سيارته بصحبة زوجته من (نيوجرسي) إلى (مدينة نيويورك) عبر نفق (لينكولن) ووفقاً لما رواه (جاكسون) فإنه توقف بسيارته ليمسح آثار البخار المتكثف على زجاج النافذة الأمامية للسيارة فيما تطوعت زوجته مارثا لتمسح زجاج نافذة الخلفية للسيارة وبالتالي يستطيعان الإستمرار برحلتهم ، وعندما نظر (جاكسون) من حوله كانت زوجته قد اختفت حيث وحينها لم يسمع أو يرى أي شيء غير طبيعي ، كما لم تعثر التحقيقات اللاحقة على أي دليل أو تكشف محاولة للتضليل ، وببساطة اختفت (مارثا) دون عودة . "
نظرت لها متابعاً :
- " ضيفي إلى تلك الحوادث المئات آو الآلاف من مثيلتها .. وأيضاً ضيفي إليها حالات اختفاء نُسبت إلى الكائنات الفضائية والتي كان يرافقها ضوءاً ساطع كالذي أعرفه وتعرفينه مما يجعلنا الآن نعلم جيداً أنه لا دخل للمخلوقات الفضائية باختفائهم "
- " هذا جيد .. أنتا لم تضيف شيئاً جديد ها هنا .. ما الذي سيوصّلنا إليه كل هذا الكم من المعلومات ؟ "
أجبتها :
- " ألم تسألي نفسك ما كنه هذا التأهيل الذي يقوم به هذا البرزخ ؟ "
- " لا أعلم "
- " لقد قلتي لي من قبل أن الوسيط يخُطط إلى نهاية العالم ، وحالات الاختفاء هي أداته لهذه النهاية .. إذن دعينا نتخيل للحظات أنه لا يهدف إلى إخفاء البشر بأكملهم بل هو ببساطة يود تكوين جيش ممن هم في حالاتنا .. جنوداً لا يراهم أحداً ولا يُصابون بل .. لا يُموتون "
- " وما الذي جعله ينتظر كل هذا الوقت حتى يبدأ فيما يُخطط له "
- " صدقي أو لا .. كان ينتظر الغبي الذي سيطلب من تلقاء نفسه الدخول إلى (برزخ التأهيل) "
- " وهل من المنطقي أنه طوال كل تلك السنوات لم يجد من يطلب منه ذلك ؟ "
- " مممممممم .. على ما يبدو أنه لم يجد أحد "
أرجعتُ رأسي للوراء مسترخياً ثم سألتها :
- " ولكن ما المهمة التي يريدني أن أنفذها ؟ ولماذا يتوقف الأمر عليّ أنا بالتحديد ؟ وما هوية وطبيعة هذا الوسيط ؟ "
- " ومتى سيبدأ الأمر ؟ وكيف سنتمكن من إنقاذ من تعرفهم ؟ .. أضف تلك الأسئلة إلى أسئلتك أيضاً "
لم تمر ثانية على عبارتها حتى سطع ضوءٌ شديد كالذي رأيته في (برزخ التأهيل) .. ولكنه بدا أشد لأنه تسرب إلى داخل الغرفة عبر الشرفة .
تشبثَت (ناملديم) بي في فزع وجد شبيهه بداخلي وقالت وعيناها تمتلئ رعباً لم أراه من قبل :
- " (شريف) .. لا فائدة .. لقد بدأ الأمر بالفعل "

(يُتبع)

محمد العليمي

الاثنين، 8 أكتوبر 2012

الحلقة الثانية

عاب علىَّ الكثيرون في أنني لم أستفيض في ذكر تفاصيل حياتي ..
ما الذي يُعنيكم في تفاصيل حياتي ؟
كيف لي أن أقص عليكم تفاصيل أتناساها ؟
يكفي أن أقول لكم أن حياتي لو كانت بتلك الروعة والرفاهية لما أقدمت على ما فعلته ..
فما أسوأ أن تحيا منفياً وسط أهلك وأصدقاءك ولا تعلم سبب هذا النفي ، والأسوأ أن تُصبح منبوذاً ممن ترغب في أن ينتشلوك من هذا المنفى .
دعونا من تلك المقدمات ولنبدأ الرسالة الثانية ..
لمن لا يعرفني أنا (شريف الميرغني) وأحادثكم من تحت رداء الموت الذي أرتديه ..

*********************************************

يبدو أنني قد غفوت وأنا أصارع الأفكار والحلول الخاصة بهذا المأزق الذي أصبحت فيه ..
لا أستطع تقدير مدة ما غفوته من ساعات في ذلك الشارع الجانبي ولم أكن أتوقع أن النوم سيستمر معي في حالتي تلك كأحد الوظائف الحيوية لجسدي ..
وظائف جسدي تعمل بإنتظام كما هي كما لاحظت ..
تباً لهذا الوضع ..
أردت أن أبتعد عن الحياة دون أن أموت فلم أنل الحياة ولم أنل الموت .
دعونا من ذلك النواح الذي لا طائل منه ..
أمامي الآن أن أتواصل مع ذلك الوسيط بأي شكل من الأشكال ولكن تقابلني مشكلة وهي أن عنوان البريد الإلكتروني وكل ما يتعلق بالتواصل معه موجود على جهاز الكمبيوتر الخاص بي .. هذا في حالة ما كان لذلك فائدة من ألأساس .
 لك أن تتخيل أنني لا أجتاز الأبواب المغلقة كالأشباح وإن استطعت فحركاتي مسموعة كأي إنسان عادي ..
ما الحل إذن ؟؟
 بدأت في التحرك والسير بحذر في الشوارع متجنباً أن أصطدم بأحد ما لما سيسببه ذلك من ذعر ..
أسير وكأنني ملوّث أو حامل لعدوى تنتقل باللمس ..
ولكن رغم ذلك فكان الأمر مختلف ومميز ..
أن ترى من لا يرونك ..
تصارعت داخل عقلي العديد من الوساوس التي تتعلق بكوني أصبحت خفي .. من سرقة إلى أفعالٍ مشينة أو إذاء من أذوني من قبل والإنتقام منهم ..
تلك الأفعال التي أمتلأت بعقولنا جميعاً عندما كنا نشاهد فيلم (طاقية الإخفاء) ..
ولكن عقلي كان يسيطر عليه مهمة واحدة .
أشعر أنني مُراقب ..
أم لعله التوتر هو ما يجعلني أشعر بذلك ..
هل يوجد أمثالي أم أنا الوحيد ؟ .. لا أجد وسيلة للتأكد من ذلك .
أصبحت الآن أمام البناية التي أقطن بها ..
توقفت أمام باب البناية متردداً في الصعود .. حينها سمعت صوتٍ قادم من خلفي :
- " لا أنصحك بالقيام بذلك "

**************************************

لا أنكر أنني قد فُزعت كالطفل الذي يختبئ له صديقه خلف الباب ، وتحول فزعي هذا إلى عصبية وأنا أتهجم على صاحب الصوت وأنبش مخالبي في ذراعه بقوة ..
كانت فتاة ..
هذا ما لاحظته حينما وقعت عيني عليها ..
- " من أنتِ ؟؟؟؟ "
- " طالما تراني وأراك فأظن أن الإجابة واضحة .. أنا مثلك .. ولا أظن الإجابة ستختلف إذا ما تركت يدي "
- " هل تظنين أن جملة (أنا مثلك) تكفيني ؟ "
جذبَت ذراعها من بين يدي وقالت :
- " أنا هنا لأساعدك .. "
- " أظن أنني رأيت هذا الفيلم من قبل .. أرجوكِ كوني أكثر واقعية وتوقفي عن أسلوب الإجابات القصيرة لتبدين أكثر غموضاً .. أو أتركيني أفعل ما أرتأيته .."
- " يبدو أنك شخص لا تتمتع بنعمة العقل ولم تسمع من قبل عن (التمهل) .. "
- " يوووووووووووووه .. من أنتِ ؟؟ "
صمتت للحظات ثم قالت :
- " لقد أرسلني الوسيط لتعقبك .. "
- " يا سلام ؟؟ .. بتلك السهولة تعترفين لي بذلك ؟ .. إذا فقد فشلتي بكشفك لمهمتك بتلك الطريقة البلهاء "
- " هذا ما طلبه مني ولكن ليس هذا ما قررت أن أفعله "
- " لماذا ؟ "
- " لديّ أسبابي .. والآن هيا بنا لنغادر هذا المكان وسأخبرك بكل شيء "

*******************************

بدا لي الأمر مبتذلاً كفيلم من أفلام الدرجة الثانية .. ولكن للأسف ليتني كنت مشاهد فقط  لكنت حينها أدرت القناة أو غادرت صالة العرض ..
فأنا مجبر على أن أشاهد هذا الفيلم ..
نحن الآن في أحد الأماكن المقفرة وكأننا نتفق على صفقة مشبوهة ..
سألتها :
- " لماذا أبتعدنا عن منزلي ؟ لن يستمع إلينا أحد كما تعلمين "
- " أنا لم أعد أثق في شيء .. ولو مررت بما مررت أنا به لأصبحت مثلي "
- " دعينا من تلك الأسطوانة المعروفة فلسنا في مسابقة من مر بأحداث أسوأ من الآخر "
أزدادت نبرة صوتي حدة وأنا أقول لها :
- " لماذا أمرك الوسيط أن تتعقبينني ؟ وأين أجده ؟ ومن أنتِ ؟ "
- " أنا واحدة من مئات بل آلاف محتجزين داخل (برزخ التأهيل) .. واحدة من كثيرين لا يعلمون كنه هذا البرزخ ولا كنه هذا التأهيل الذي ننتظره .. فجأة وجدت نفسي داخله أنا وغيري ولا أدري كيف ذهبت إليه ولا عدد السنين التي مرت عليّ بداخله ..
كان لي أسرة يوماً ما لا أدري إن كانت ما تزال موجودة أم فارقوا الحياة وإذا ما كانوا على قيد الحياة فلن أستطيع الذهاب إليهم وهم لن يروني ولن يسمعوا صوتي "
- " لا يهمني ما تقولينه .. أنا لست بإخصائي إجتماعي "
قلتها ببرود لم أعرف سببه ولا أنكر أنني شعرت بالندم لهذا القول ..
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت :
- " يبدو أنك فقدت اللباقة والإحساس أيضاً إلى عندما فقدت ماديتك "
أحسست بالحرج وقلت لها متأسفاً :
- " أرجو أن تعذريني فالوضع كله جنونيّ ولا أستطيع أن أتأقلم معه حتى الآن "
قالت وكأنها لم تستمع إلى إعتذاري :
- " أنا من القلائل الذين غادروا البرزخ على حد علمي ولكن أظن أنني لست الوحيدة التي كُلفت بمراقبتك ومتابعتك "
- " ولماذا عصيتي الأوامر ؟ "
- " لأنك لا تعلم حجم الأمر الذي ورطت نفسك فيه "
صمتت للحظات ثم قالت :
- " أنت ستكون سبباً في نهاية العالم الذي نعرفه "

**********************************************
 مرة أخرى أشعر أنني بداخل أحد الأفلام التي لا أكره في حياتي مثلها ..
فسيناريو : (أنت ستكون المختار يا فلان وإنقاذ العالم في عنقك يا علان ) تقليدي جداً ولو كنت مكانكم فسأتوقف عن قراءة باقي الرسالة ..
ولكنني مرة أخرى أضطررت إلى أن أكمل دوري في ذلك الفيلم الخيالي الذي لن يُعرض في أي سينما لأنه بطله – ببساطة - لن يراه أحد .

قلت لها في سخرية :
- " وهل تتوقعين مني أن أصدق هذا الهراء الذي تتحدثين عنه ؟ "
- " إذا أردت أن تصدق أو لا تصدق فهذا شأنك "
- " مهلاً مهلاً .. قد لا أكون متديناً ولكني أؤمن بما تم تعلمته دينياً.. ولا أظن أنني المسيخ الدجال الذي ستقوم بعده القيامة "
- " ومن قال أن انتهاء العالم يعني بالضرورة حلول يوم القيامة "
- " لا أظن أن نهاية العالم سيحل بعدها العيد على حسب علمي "
- " أنني أتحدث هنا عن نهاية الحضارات المعاصرة .. ربما فناء أغلب البشر .. قد يكون الأمر تمهيداً ليوم القيامة الذي تم ذكره في الديانات السماوية أو لا .. العلم عند الله .. لكني أخبرك بما لدي من معلومات .. "
- " وكيف وصلت إليك تلك المعلومات ؟ .. لا أظن أن الوسيط أخبرك بذلك .. "
- " لديّ مصادري "
- " وما الذي يجعلني أصدقكِ ؟ "
- " لا أظن أن أمامك خياراً آخر "
- " بل أملك خياراً آخر .. أن أتركك وأكمل ما بدأت فيه .. فأنا لا أثق بك ولا أشعر أنك تنطقين الصدق "
- " وماذا عن احتمال أن أكون صادقة ؟ .. وماذا عن إذا ما تأكدت من مدى صدقي مُتأخراً ؟ "
نَظرتُ إليها مُطولاً ثم قلت :
- " أكرر أنني لا أثق بك .. "
- " بغض النظر أنك على ما يبدو مُصاب بجنون الارتياب ولكني سأساعدك على الوصول إلى الوسيط .. هل هذا يكفي ؟ "
- " لا يكفي .. ولكن لا مفر من هذا "
تنهدت وقالت :
- " إذن فلنكمل ما كنت تشرع في فعله ولكن بحذر أكثر .. "
قلت لها وأنا أبدأ في السير بجوارها :
- " المشكلة تكمن في وجود عائلتي بالمنزل الآن .. "
قالت بكل هدوء :
- " لا تقلق فهم موجودون في (برزخ التأهيل) الآن "
نزل عليّ هذا الخبر كالصاعقة وتجمدت في مكاني .
- " ما بك ؟ ألم تكن تعلم أن هذا ضمن إتفاقك مع الوسيط ؟ "

(يُتبع)
 

محمد العليمي 

 

الأربعاء، 3 أكتوبر 2012

الحلقة الأولى

بالتأكيد أغلب من قرأ هذا العنوان ظن أنني سألعب على الوتر المعتاد وهو وتر الموت ولكنني سأخبركم بما هو أسوأ منه ..
أن تحيا كميت .
أنا قريباً منكم أكثر مما تتخيلون ..
قد أكون بجواركم الآن وأنتم تقرأون تلك الرسالة وقد أكون قد مررت يوماً بأحدكم ولم يرني ..
لا لست بملك الموت يا من تظن ذلك .. أنا إنسان عادي وقد تتشابه حياتي كثيراً مع حياة الآخرين .. بمعنى أدق كانت تتشابه حتى حدث ما حدث .
دعوني أعرّفكم أكثر عن حياتي ..
أسمي (شريف الميرغني) شاب في الثلاثينات من عمري .. أعزب ولم أتزوج وغير مرتبط ..
يزداد أصدقائي يوماً بعد يوم لدرجة أنني لا أجد صديقاً بجواري منهم ..
 فتيات كثيرات تدخلن حياتي .. يبدأ الأمر كصداقة بعدها أحلام بأن كل واحدةٍ منهن ستعترف لي بحبها عما قريب وأنها بالتأكيد ستكون زوجتي يوماً ما ، ولكن لا يحدث شيئاً مما أتخيله وتستمر الصداقة بيني وبينهن وأحياناً تنتهي حين أملّهن .
علمتني التجارب النسائية المتعددة أنني أستقطب الفتيات متوسطات الجمال فقط أما رائعات الجمال فهن استثناءات في حياتي وحينما تنجذب إحداهن إليّ أعلم حينها أنه من المؤكد أنها بلهاء ..
فأنا لا أملك ما يجذب الفتيات الحسناوات إلىّ وما أجيده ليس بشيء يجعل الفتيات ترتمي تحت أقدامي ..
أنا لا أجيد سوى شيء واحد هو قراءة الكتب ..
للأسف لا أمتلك موهبة الكتابة وإلا لكان موقفي أفضل ولصار لي مستقبل وإن كنت أعلم أن أغلب من يكتبون لا يجنون مالاً وإن جنوه فهو لا يأتي بسرعة ..
طوال حياتي أعشق القراءة وأطلق عليّ أصدقائي القدامى لقب (الموسوعة) .. فتجدني لا أترك مجالاً إلا وقرأت فيه إلا مجالاً واحداً لم أطرقه وحين طرقته لم أستطع الخروج منه ..
عالم ما بعد الموت ..
سيسألني أحدكم ما الذي جذبك إلى القراءة في هذا الموضوع تحديداً .. وهو سؤال غبي سأجيبه رُغماً عني ..
أخبرني عن ما يجعلني أتعلق بالحياة ؟
زوجة ؟ أولاد ؟ أهل ؟ أصدقاء ؟ عمل ؟ مستقبل ؟
وقيد الدين والعقاب الأخروي يمنعني من الانتحار .. لذلك لا أجد سوى أن أذهب للموت على الأقل ذهنياً ..
قد يظن البعض أنني قد قرأت كتباً من نوعية (عذاب القبر) و(الجنة والنار) ولكنني قرأت كتباً أخرى ليست بدينية .. وإن أرت الدقة هي كتب لا دينية .
تعمقت كثيراً في القراءة عن أن تحيا بلا جسد  ..
أن يختفي الجسد تماماً أن تكون نوعاً أخر مختلف عن الروح وعن الأشباح والأطياف ..
ولجتُ إلى مواقع إلكترونية لا تخطر ببال عاقل .. كلها مواقع بالإنجليزية التي أجيدها لحسن الحظ ..
أغلبها كاذبة ومُدعية وقليلاً منها أقترب من الحقيقة ولكني لم أجد بعد ضالتي ..
وجدت منها ما يربط ما أبتغيه بالتقرب من الشيطان ولكني أرغب في التحرر الجسدي لا الكفر .. عذراً فالتعبد إلى الشيطان ليس في جدول أعمالي ..
موقع إلكتروني آخر ..
ممممممممممممممممممممممممممممممممممم
يتحدث عن تحرر الروح من الجسد في حالات الغيبوبة والنفق المضيء .. ولكن أيضاً ليس هذا ما أبحث عنه .
استوقفني ذلك الموقع ..
كان بريء المظهر على عكس المواقع الأخرى التي ترى أن التصميم الصاخب والشيطاني يجب أن يكون السمة الأساسية إن أردت التحدث عن أمور خارقة للطبيعة ..
الموقع به كلام مقتضب عن ما أبحث عنه وفي أسفله بريد إلكتروني ..
أضفت هذا البريد الإلكتروني إلى الماسينجر الخاص بي وأرسلت له رسالة بأنني أود التحدث معه بشأن بعض ما ذكره بالموقع ..
وأنتظرت رده .
مرت الثلاث ساعات ولم يصلني أي رد ، وفي الساعة الرابعة من الإنتظار كانت أول جملة أرسلها :
" هل تبحث عن الحياة كميت حقاً "
أرتبتُ لهذا الأسلوب المباشر في الحديث وبدأ الشك يزحف إلىّ فيما يتعلق بجديته ..
" لا ترتاب فأنا أشعر بمن يريدون هذا الأمر .. وأنت منهم "
شرعت في الرد عليه :
- " وما الذي يؤكد لك أنني منهم ؟ "
- " ليس من شأنك .. أتريد حقاً تجربة الأمر ؟ "
- " أشعر بأن للأمر علاقة ببيع روحي للشيطان وهذا الهراء .. "
- " لا يوجد شيطان سيمنحك ما سأمنحك أياه "
- " من أنت ؟ "
- " لا يهم "
- " وما الثمن ؟ "
- " لا يوجد ثمن "
- " إذا كان الأمر حقيقاً فلماذا لم تجربه بنفسك ؟ "
- " أنا مجرد وسيط "
ترددت كثيراً في استكمال الحديث معه .. وبدأت أراجع نفسي فيما أنتويه ..
شعرت بأن قلبي سقط بداخلي ..
- " هل هناك عودة إذا ما أردت أن أعود "
- " لا "
رفعت يدي من فوق لوحة المفاتيح وتحسست وجهي ..
أشعر بسخونة في وجهي لم أعهدها .. قلبي يدق بشراسة الحبيس داخل تابوت ..
   - " وما المطلوب مني ؟ "
لن أستطيع أن أخبركم بما طلبه مني لتنفيذ الأمر لأنني لا أريد أحد منكم أن يُجرب الأمر .. ولكن سأكتفي بأن ألمّح بأن ما طلبه رهيباً ولا يصدقه عقل وخاصةً أن الشرط الوحيد لإتمام الأمر كان ألا أخبر أحد بما سأفعله وألا أترك ما يُلمح من قريب أو من بعيد بما سأقوم به ..
كان الإتفاق أن يتم الأمر خلال يوم ..
وكان أطول يوم مر بي في عمري ..
القلق ..
الخوف ..
الإحباط ..
السعادة ..
كل المشاعر كانت تركض بداخلي ، ووجدت أن الحل الوحيد لما أعانيه أن أقتل الوقت بالنوم ..
النوم ..
النو ..
الن ..
ال ..
ا ....

تفتّحت عيناي على ضوء شديد ..
ضوء ساطع ولكن لا يوجد مصدر له ..
أين أنا ؟؟؟
أرى أشخاص حولي تركض .. حاولت أن أوقف أحدهم ولكن لا فائدة ..
وجدت رجلاً في عمر أبي جالساً فتوجهت إليه ..
نظر لي وقال :
- " أنت الجديد ؟ "
لم أفهم ما يقصده .. سألته :
- " أين أنا "
- " أنت في ما نطلق عليه نحن برزخ التأهيل "
- " وما هو برزخ التأهيل هذا ؟ "
-  " هل أتيت عن طريق الوسيط ؟ "
لم أجبه .. فأكمل وكأنه توقع أنني لن أجيب سؤاله :
- " تبدو كواحد منهم .. لذلك لا تقلق فستخرج قريباً .. بعكس أغلبنا "
-  وما الذي يجعلني أغادر وأنتم لا تقدرون  ؟ "
 صمتَ لحظة ثم قال :
 -  " يبدو أنك مثقف .. أو لنقل أنك كنت مثقف إذا ما صح التعبير ..
نحن من يطلق علينا (لم يتم العثور على جثته) .. نحن من أختفينا دونا أدنى أثر .. ولم نعلم حتى الآن سبب اختفاءنا وها نحن نحيا هنا وننتظر الخروج فور انتهاء تأهيلنا .. أما أنت فالأمر يختلف معك .. فقد أحضرك الوسيط لتنفيذ مهامه .. "
نظر خلفي وقال :
  - " ألم أقل لك أنك ستغادر سريعاً "
وفجأة سطع الضوء الشديد مرة أخرى وما إن خَفَتَ حتى وجدت نفسي في بيتي مرة أخرى ..
اللعنة ..
يبدو أنه كان مجرد حلم لعين ..
قذفت تلك المرآة - التي طالما كرهت النظر إليها لأنني كنت أرى وجهي الذي لا يتسم بالوسامة كما تمنيته – بذلك المنبه الذي كان بجوار فراشي ..
ولاحظت شيئاً ..
أنا لا أرى انعكاسي بها ..
نهضت وتحسست جسدي ..
أنا موجود بالفعل ..
ركضت إلى غرفة أخي .. ووجدت باب غرفته مفتوح فدلفت إلي الغرفة وناديته .. فلم يسمعني ..
اللعنة لم يكن هذا ما طلبته ..
ما الفائدة من أكون موجود بشكل غير مادي ولكن أظل باقياً في تلك الحياة ؟؟
لقد خُدعت ..
ركضت إلى الشارع ولم ألتفت إلى أنني غير مرئي ولكني مازلت مادي ..
صدمتني سيارة مسرعة ..
لكم أن تتخيلوا شعور السائق الآن .. صدم شيئاً لم يراه ..
بدا للناس مجنوناً وهو يغادر سيارته لينظر في الأرض ولا يجد شيئاً .. بينما نهضت أنا بصعوبة والعجيب أنني لم أعاني من أية إصابات بل أن الاصطدام لم يؤلمني بتاتاً ..
ظللت أردد .. (لم يكن هذا هو ما أردته .. لم يكن هذا هو ما أردته )
بداخلي أشعر بمن وجد نفسه في وطن غير وطنه وإن كانت تفاصيله كما هي ..
هدأت للحظات وظللت أحدد تفاصيل وضعي الجديد ..
صوتي لا يسمعه أحد ..
أحتفظ بكل خصائصي المادية كما هي ولكن لا أحد يراني ..
أكثر ما يدل على أنني - برغم النقطة السابقة – لست حي أنني لم أشعر بأي ألم عندما صدمتني السيارة ..
إذن فأنا في مصيبة ..
أصبحتُ كيان مادي غير مرئي وغير حي في نفس الوقت ..
ما هذا الذي تورطت فيه ؟
لكن لابد أن يكون هناك تفسير لما حدث لي ..
على أن أتواصل مع الوسيط في أسرع وقت ..
بل يجب أن أتواصل مع الآن ..

(يُتبع)

محمد العليمي