أعلم أن الموقف لا
يحَتمل .. ولكني لا اُخفي أن شعور ما أنتابني حينما لمَسَت (ناملديم) ذراعي بأطراف
أناملها ..
لا أدري لماذا
تداعى إلى ذهني عدد السنوات التي لم أرتبط فيها بأي فتاة ولو كعلاقة عابرة ..
أربع سنوات لم
تقتحم أي فتاة حياتي ، حتى تأقلمتُ مع الوضع وأصبح قلبي يحمل مصلاً مُضاداً لأي
عاطفة ..
بالنسبة لي
فالفتيات خُلقن لغيري ممن يستحقهن ، فأنا أعلم جيداً أنني خُلقت لأحيا وحيداً ..
وهو ما تأكدت منه مؤخراً .
عندما كنت أشاهد
فيلم (المنسي) كنت دائماً ما أسخر من كون بطل الفيلم قد أستبدل علاقاته العاطفية بمجلات
وصور لفنانات .. ولم أدرك أنني سأصبح مثله يوماً ما ..
فقد أستبدلت
الحقيقة بالخيال .. الأحياء بالجماد .. أستغنيت عن وجود النساء في حياتي بصور
لأجمل النساء في العالم ..
أجمع صورهن كجامع
القطع الفنية ..
مجرد جمع من أجمل
الجمع ..
هل هو مجرد رغبة
مني في أن أشعر بأن هناك إناث في حياتي ؟
هل هو هروباً من
كل سلبيات تجاربي السابقة مع النساء أم يقيناً مني بأنني فاشلاً في علاقتي بهن ؟
كانت هذه تساؤلات
عدة نقلتها إشارة كهربائية إلى مخي تسببت فيها مجرد لمسة من فتاة لا أعلم عنها
شيئاً .. بل والأغرب من ذلك أننا في لحظة فارقة ..
لحظة بداية مُخطط (الوسيط)
للسيطرة على العالم ..
أو إنهائه .
***********************************************
أزداد الضوء في السطوع
للحظات ولم يلبث أن بدأ يخفت تدريجياً ..
قالت لي والرعب
ينطق من عيناها :
- " لقد
تأخرنا يا (شريف) ولن نستطيع إنقاذ ما يمكن إنقاذه "
- " أنا لا
أفهم .. ما معنى هذا الضوء الذي سطع ؟ "
- " هناك احتمالان
لا ثالث لهما .. سنعلم أيهم هو الحقيقي الآن "
توجَهَت – وأنا
معها - نحو التلفاز القابع في صالة المنزل وقامت بتشغيله ، وظلّت تبحث في القنوات
حتى توقفت أمام قناة إخبارية ..
سألتها متعجباً :
- " هل هذا
وقته ؟ "
- " أصبر ..
أريد أن أتأكد من شيء ما بخصوص هذا الضوء "
ظلّت ترمق القناة
دون أن تتحرك إلى أن ظهر في أسفل الشاشة تلك الخانة الحمراء التي على يمينها كلمة
(عاجل) وبجوار تلك الكلمة : (سطوع ضوء شديد في أنحاء متفرقة من العالم ووكالة ناسا
تُصرّح بأن علمائها يبحثون أسبابه)
حوّلَت نظرها نحوي
وقالت :
- " إذن
فالأمر لم يقتصر على مكاننا فقط .. بقى لنا أن نعرف هل الضوء هو بداية الخروج من
(برزخ التأهيل) أم هو دخول للدُفعة الأخيرة إليه ؟ "
- " وما الذي
جعلك تُجزمين أنها الدُفعة الأخيرة ؟ "
- " لأن هذا السطوع لم يحدث
بهذا الشكل من قبل ، وكون أنه حدث في كافة أنحاء الأرض فهذا يعني أن الأمر مختلف
هذه المرة "
- " وكيف
سنتأكد من حقيقته ؟ "
- " من
المؤكد أننا سنسمع في اللحظات القادمة عن حالات اختفاء متعددة "
- " والمطلوب ؟ "
قالت وهي تتجه إلى
غرفتي :
- " أبقَ
أمام التلفاز وتابع مستجدات ما حدث إلى أن آخذ قسطاً من الراحة "
لا أدري لماذا
تتعامل وكأنها في منزلها .. قلت لنفسي أن هذا ليس وقتاً للأصول والمفروض وغيره ..
دعها تفعل ما يحلو لها .
جلستُ متجمداً أمام
تلك القناة الإخبارية منتظراً أية تفاصيل جديدة .. وما هي إلا دقائق وبدأت أشعر
بالملل فتوجهت إلى غرفتي .. وتحديداً إلى خزانتي ..
على فراشي ترقد
(ناملديم) وكأنها لم تغفو منذ قرون .. غَفَت سريعاً وكأنها آتية من سير ساعات طويلة
أمام محلات الملابس كعادة الفتيات .
كنت قد فقدتُ تمييزي
للجمال من القبح فبدت لي فتاة كغيرها من الفتيات وإن أضفى النوم عليها لمسة جمال
لا بأس بها .
بحثتُ داخل
الخزانة عن شيء ما لا أعلم إن كنت سأجده أو لا ، ولا أعلم أيضاً ما هو هذا الشيء
.. ولكنني كنت أبحث برغم ذلك ..
ما هي إلا لحظات
حتى وثب إلى عقلي ما قد أبحث عنه ..
دفتر التليفونات
أو كما يسمونه (Telephone Index)
..
ما يُميز هذا
الدفتر عن الهاتف المحمول أنه يحتوى على أسماء وأرقام من عرفتهم على مدار حياتي
وهو ما لا يتواجد على هاتفي بسبب حذفي الدائم لأرقام من أنهيت علاقتي بهم .
فلقد أعتدت أن
أسجل شهرياً الأرقام الموجودة على هاتفي المحمول بهذا الدفتر لعدم ثقتي بذاكرته ..
ومع مرور السنوات
أصبح هذا الدفتر يحتوي على أرقاماً غير موجودة على هاتفي ، أطالعه في بعض الأحيان
لأرى من يستحق أن اُصلح علاقتي به ممن حذفتهم وأحياناً أطالعه لمجرد مداعبة
الذكريات المتعلقة بكل شخص من المُسجلين بداخله .
وقع نظري على
(الدبلتين) الفضية والذهبية ..
أمسكت بكليتهما متفحصاً
..
أرتديت (الدبلة)
الفضية ..
مقاسها أصبح كبيراً
على أصبعي .. كانت تناسبني يوماً ما قبل أن أزداد نحافة بسبب التدخين المستمر وقلة
التغذية المتعمدة أحياناً أو الناتجة عن فقدان الشهية في أغلب الأحيان ..
أمسكتُ (الدبلة)
الذهبية في حركة درامية كثيراً ما رأيتها في المسلسلات والأفلام العربية .. أبتسمت
عندما تخيلت مظهري ..
واقتضبَت
إبتساماتي عندما تذكرت شيئاً آخر .
**************************************************
لو كان مكتب
التنسيق رجلاً لقتلته ..
هذا هو ما بدر إلى
ذهني عندما أجتزتُ بوابة ذلك المعهد الحكومي الذي قذفني فيه مجموعي البائس .
برغم حبي للقراءة
إلا أنني كنت لا أطيق قراءة الكتب المدرسية وهو الذي لم – ولن - يراعيه المُصحح
وهو يضع درجات تخطت أنصاف درجات كل مادة بحذر بالغ ، وأدى في النهاية حاصل جمعها
إلى هذا المعهد الذي يمتاز بمؤهل دراسي عالي ومصاريف دراسية متوسطة .
سرعان ما أعتدتُ
عليه وعلى سلبياته وتغاضيت عن قلة إيجابياته ..
أعتدت على ذلك السيناريو
الذي كُتب للموجودين بداخله والذين يرفضون بشدة الخروج عنه ولو للتجربة .
وإن كان لي أن
أتخيل صيغة السيناريو - على خلفية معرفتي الواهنة عن السيناريوهات - فلن يخرج عن
الآتي :
" مشهد (1)
نهار داخلي /
خارجي
يجتاز (شريف)
البوابة ويتوجه نحو أحد المدرجات لحضور محاضرة ما .
يجلس (شريف) في
أحد الأماكن الشاغرة منتظراً بدء المحاضرة .
ينتظر أن تجلس
جواره فتاة حسناء تطلب منه التعارف أو بأقل تقدير تجلس فقط ، وإذا لم تكون حسناء
فعليها بأن تكون فتاة لا فتى يتصبب عرقاً ورائحة أنفاسه تشبه رائحة عادم السيارات
، ولكن دائماً ما كان يخيب ظنه ويجد أن من يجلس بجواره هو فتى أو فتاة لا تختلف عن
الفتيان سوى أنها ترتدي ملابس نسائية .
يُنهي (شريف)
المحاضرة التي يبدو أن من حدد وقتها قد ضبطه مع بطارية (شريف) الخاصة بقدرته على
الإحتمال ..
يخرج (شريف) من
المدرج مُسرعاً ومتجهاً نحو (كُشك) المياه الغازية وخلافه والذي كان يُضيف نصف
الجنيه إلى سعر كل سلعة ..
يبتاع (شريف) علبة
أو - ما يطلقون عليه (كانز) - المياه الغازية ويُخرج علبة السجائر مدخناً ما يقرب
من خمس سجائر على مدار شُربه لل(كانز) ..
يتفحص (شريف) المتواجدين
داخل باحة المعهد ..
تبدو الفتيات كلهن
متشابهات في ما يرتدونه من ملابس ..
لا يستطيع تَذكُر
أي فتاة في اليوم التالي إذا ما بدلت ملابسها عن ما كانت ترتديه في اليوم السابق .
الألوان فقط هي ما
تميز كل فتاة عن الأخرى ..
الفتيات كلهن يضعن
مساحيق التجميل بكمية قد تزن أطنان وكأنها شرط من شروط الالتحاق بالمعهد ..
خُيّل له أن مصلح (الفتاة
الحسناء) و(القبيحة) سيختفيا ليحل مكانهما لون الملابس كمعيار للتفرقة بين فتاة
وأخرى ..
(هدى الحمراء) ، (
منال الزرقاء) ، (عبير الخضراء) ..
أعتاد أن ينظر إلى
يد كل فتاة ليعرف لون بشرتها الحقيقي ، وقلّما وجد فتاة يتشابه لون وجهها مع لون
يدها ..
المجد لمسحوق (التفتيح)
.
يُنهي (كانز)
المياه الغازية ويتوجه بها نحو سلة المهملات التي لم تكن سوى (برميل) فارغ قرر
البعض أن يكون بديلاً عن صندوق القمامة ..
يتخيل وكأن
الكاميرات تتوجه نحوه ليقتنصوا تلك اللقطة ، وخطر في باله أن ينظر لهم وهو يُلقي
ما في يده مبتسماً ليبدو كأحد المُرشحين للرئاسة أو البرلمان وهو يضع صوته في
صندوق الإتتخابات .
يتجه إلى ذلك
الركن المُفضل له غير عابئ بمن رأي أن إلقاءه لعلبة المياه الغازية في سلة
المهملات ينم عن حسن سلوكه أو من أجل العرض . "
لكَ أن تتخيل أنني
ظللت أسير على هذا السيناريو وأشاهده وأنفذه لمدة ثلاث سنوات ..
ملل ؟ .. قد تكون
كلمة (الملل) مدح لما مررت به ..
أظن أن مجمع اللغة
العربية لم يتوصّل حتى الآن لوصف لما مررت به ، وكثيراً ما وددت أن أتواصل معهم
لأخبرهم بأن يقوموا بتحديث تلك الكلمة لأنها أصبحت قاصرة جداً .
إلى أن أتت اللحظة
التي أنتظرتها وإن حاولت كثيراً إقناع نفسي بأنني لا أهتم بأن تأتي ..
ها أنا جالساً في
ذلك الركن الضيق الهادئ إلى حد ما .. أخرجتُ لفافة تبغ مُشعلاً إياها .. مُدخناً
أياها .. مستمتعاً بها وكأن لها مذاق نوع جديد من الفاكهة لم أتذوقه من قبل ..
وصل إلى مسامعي
ذلك الصوت الرقيق :
" ممكن السيجارة
من فضلك "
تلك العبارة التي
لم يلتفت أحد إلى أن صياغتها تحمل العديد من المعاني ليس من بينها ما قصدته تلك
الفتاة ..
- " تقصدين
أن أطفأها .. أليس كذلك ؟ "
- " بلى "
ألقيت لفافة التبغ
أرضاً ..
- " آسف إذا ضايقك
الدخان "
- " لا عليك
.. وأشكرك على ذوقك الذي لا يتمتع به كثيرٌ من شباب المعهد للأسف "
كانت مُلفتة .. بل
كانت جميلة ..
وجهٌ يضيء بياضاً
لم يشوبه أية إضافات تجميلية ..
ملامح وجه جعلتني
لم أستطع أن أبعد عيني عنها .
صممتُ على أن
أتقرب منها ونجحت في ذلك ..
تحولَت صداقتنا
إلى إعجاب متبادل ثم إلى حب متبادل وبدأتُ في إعداد حياتي لأتقدم لها رسمياً ..
تُخبر والدها ووالدتها
بظروفي فيرفضا ..
تلك المعادلة المعروفة
دوماً ..
طالب + يرغب في
خِطبتك = رفض بالطبع
ظننتُ أن تلك هي
نهاية علاقتنا ومنحتها الحرية في تقرير المصير ، ولكنها أخبرتني أنها ستظل معي
وستنتظر ..
كان جُل ما أخشاه
هو نظرات الناس إليها وهي تسير بجواري ..
لم تُخبرني بأن
ذلك يقلقها ، ولكني أحسست بذلك ..
كنا نسير كالعادة
في طريق العودة من المعهد .. توقفنا أمام أحد محال الذهب .. رأيت السعادة ترتسم
على وجهها كالطفلة الصغيرة ..
لم أكن أحمل في
جيبي سوا ثلاثون جنيه ..
أمسكتُ بيدها آخذاً
إياها إلى محل ذهب صيني مجاور ..
نعتتني بالمجنون
عندما أخترت (دبلة) ذهبية اللون وجعلتها ترتديها ..
أشرق وجهها
بإبتسامة كمن حاذت ذهب العالم ..
كنت أحملها دوماً
معي إلى أن أقابلها .. ترتديها أثناء وجودها معي خارج المعهد وتعطيها لي قُبيل
رحيلها ..
ظللنا في هذا
الوضع طوال ستة أشهر على أمل أن أتقدم لها رسمياً مرة أخرى في أقرب وقت ..
كنت أعلم أن نهاية
علاقتنا قريبة ..
فلقد أعتدتُ أن
حياتي ما هي إلا قطع بازل ينقصها قطعة واحدة دائماً ولعمري لم أجد تلك القطعة ..
سعادتي لا تكتمل
دوماً بسبب تلك القطعة المفقودة ..
وبرغم ذلك فدائماً
ما أصر على أن أرتب تلك القطع مرات ومرات آملاً في أن أجد تلك القطعة اللعينة .
تغيرَت طريقة
تعاملها معي تدريجياً للأسوأ ..
لم تعد تلك الفتاة
التي أحببتها من قبل ..
كنت أعلم سبب ذلك
التحول .. والدها يشك في أنها مازالت تقابلني ويضغط عليها ليتأكد من حقيقة الأمر
..
حوّلَت ما تعانيه
إلى معاملتي بعصبية شديدة وغير مُبررة .. صرتُ لا أجد معها راحتي .. بل كانت تزيد
همي هماً ..
أفترقنا .. وتمنيت
لو لم أقابلها يوماً ، فلو لم تكن موجودة في حياتي من الأساس ما كانت تركت هذا
الفراغ بداخلي ..
فراغ لم يشغله أحد
بعدها ..
وتحوّلت عبارة :
" إذا لم تصبحي أنتِ قَدري فلن أحاول أن أرتبط مرة أخرى " إلى حقيقة ..
فكانت آخر من
أحببتها .
*******************************************
أفقتُ من سيل الذكريات
هذا لألتقط ذلك الدفتر الذي كان هدفي منذ البداية ..
لمَعَت فكرة في
عقلي وشرعت في تنفيذها ..
بحثتُ عن هاتفي
المحمول وما إن وجدته حتى قمت بطلب أول رقم قابلني ..
كان رقم أحد زملاء
المعهد الذين أنقطعتُ عن التواصل معهم بإنتهاء الدراسة ..
الغريب في الأمر
أنه أجابني وأستمعت إلى صوته ..
أنهيت المكالمة
وأخترتُ رقم رئيس الشركة التي عملت بها لفترة قصيرة وتركتها بسبب خلافي معه والذي
وصل إلى اتهامه لي بالسرقة ..
أردت إنهاء وجوده
من على وجه الأرض .. تمنيت قتله في وقتاً ما ..
لم يُجيبني ..
تصادف ذلك مع ظهور
خبر عاجل على القناة الإخبارية ..
(أنباء غير مؤكدة
عن حالات اختفاء متعددة في مناطق مختلفة من دول العالم)
- " إذن
الأمر كما توقعت "
تلك كانت
(ناملديم) .. كانت تقف خلفي .. فألتفتُ نحوها ..
- " نعم ..
ولكن هناك أمر ما مُحير بالنسبة لي .. لقد أخبرتيني من قبل أن كل من أعرفه سيختفي
.. ولكني هناك شخصاً منهم موجود وآخر يبدو أنه اختفى بالفعل "
- " وما
تفسيرك لذلك ؟ "
- " هناك شك
بدأ الظهور بداخلي أن من سيختفون ليسوا كل من أعرفهم .. بل من أردت في يوماً ما أن
يختفوا "
- " لو كانت
نظريتك صحيحة فيجب عليّ أن أخبرك أن من سيبقون لن يكونوا محظوظين لو كنت تظن ذلك
.. لأن ما سيرونه كأحياء سيكون أسوأ بكثير "
أرتميتُ على
الأريكة الملاصقة للتلفاز ..
- " (ناملديم)
.. أشعر أننا قطع شطرنج تتحرك دون إرادتها .. لن نستطيع منع أي شيء ..
الأمور تحدث بسرعة
رهيبة جداً .. متلاحقة .. وكأنها أوراق شجرة تتساقط وراء بعضها البعض "
- " أنتَ
مُحق .. ويبدو أن هذا ما يريده (الوسيط) .. فلو كان يُدرك أن خروجك من (برزخ
التأهيل) سيؤدي لمنعك له من تنفيذ مخططه ما أخرجك "
- " أريدك أن
تأتي معي لرؤية أحد الأشخاص ممن كنت أعرفهم سابقاً .. شخصاً سيُثبت نظريتي أو
نظريتك "
- " صاحبة
(الدبلة) الذهبية ؟ "
- " أنتِ
فضولية أكثر من اللازم "
- " وأنتَ
عاطفي أكثر من اللازم .. هل هذا وقت البحث عن حبيبتك السابقة ؟ "
أرغمتها على
المجيء معي إلى منزل من قصدت رؤيتها .. حاملاً معي دفتر التليفونات وقلم وجدته على
مكتب أخي ..
ظل عنوان منزلها
عالقاً بذهني منذ أن وصفته لي بالوصف الدقيق عندما كانت منتشية من أثر سعادتها
بقرب طلبي ليدها رسمياً ..
لم نجد وسيلة للدخول
إلى منزلها سوى تلك الوسيلة القديمة ..
الطرق على الباب
.. خروج صاحبة المنزل لترى من الطارق .. الدخول بحذر من جوارها ..
لم أتخيل أن أول
زيارة لمنزلها ستكون بهذا الشكل .
ها أنا موجود
بداخل منزلها ولكن ليس ك(عريس) بل أقرب إلى الشبح .
أشارت لي
(ناملديم) إلى غرفة ربما تكون غرفتها ..
دلفنا إليها بحذر
..
ها هي تجلس على
فراشها وتتحدث عبر الهاتف ..
- " جميلة هي
.. "
أومأتُ في شرود ..
- " ما أسمها
؟ "
- " (صفا)
"
- " لم تختفي
حتى الآن لو لاحظت ذلك "
- " إذن
فنظريتك خاطئة "
- " وكذلك
نظريتك "
لم تُنهي عبارتها
حتى سطع في الغرفة ذلك الضوء الذي أعتدتُ عليه ..
رأيت والدتها تهرع
إلى الغرفة وهي تهتف : " صفااااااااااااااااا .. صفاااااااااااااااااا "
لم أستوعب الأمر
في البداية .. إلى أن أفقت من صدمتي ..
ها هي تختفي من
حياتي للمرة الثانية ..
- " أنا
السبب .. لقد تمنيت أن تختفي من حياتي يوماً ما عندما أفترقنا .. "
خرجت مني العبارة بصعوبة
..
- " إذن هذا
يفسر الكثير ويؤكد نظريتك "
لم تمر دقيقة
واحدة إلا وسطع الضوء مرة أخرى لتختفي بعده والدتها من أمامنا ..
نظرت إلى
(ناملديم) في عدم فهم ..
- " ليست
الوحيدة التي تمنيت اختفائها .. تمنيتُ ذلك لوالدها ولوالدتها عندما رفضاني ..
تمنيت لهما ذلك
ليكون ارتباطي بها حينها أسهل "
- " وكذلك
الحال لوالدك ووالدتك وأخاك .. تمنيت اختفائهم من حياتك أليس كذلك ؟ "
- " نعم
"
أخرجت دفتر أرقام
الهواتف الخاص بي وشرعت أقلب صفحاته شارداً .. مذهولاً .. ومُحطماً ، بينما أتجهَت
هي إلى أحد المقاعد لتستند عليه ..
شارداً صرتُ أخط
كلمات غير مفهومة كعادتي عندما أمر بمشكلة ما ..
كان القلم من نوع
الأقلام الحبر الرخيصة التي تترك أثراً لما تكتبه على ظهر الصفحة .. لم ألحظ ذلك
إلا عندما قلبتُ الصفحة .
شارداً ظللت أقرأ
الكلمات المعكوسة على ظهر الصفحة ..
كلمات ليس لها
معنى وهي معكوسة ..
فقد تحولت كلمات مثل
: (شريف – أمي – أبي – صفا – ناملديم ) إلى (فيرش - يمأ - يبأ - يخأ – افص –
ميدلمان)
(ميدلمان) ؟؟؟
هو إنعكاس كلمة
(ناملديم)
(ميدلمان) ؟؟
كان إنجليزيتي لا
بأس بها ..
Middleman
؟؟؟
رجل الوسط ؟
الرجل الوسط ؟
الوسيط ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- " أتدركين
ما هي أسهل طريقة لمراقبة شخص ما ؟ .. أن تدّعين أنكِ رفضتي مراقبته وأنك في صفه
الآن "
- " لا أفهم
ما تقصده ؟ "
أكملتُ وكأنني لم
أسمعها :
- " والأفضل
أن تكوني أنت من أردت مراقبته .. أن تكوني أنت (الوسيط) طوال هذا الوقت "
أرتسمت على وجهها ابتسامة
شيطانية وقالت بأسلوب مسرحي ..
- " وأخيراً
أدرك (شريف) حقيقة اللعبة يا سادة "
حاولت النهوض من
مكاني لمهاجمتها ولكنني لم أقدر على تحريك جسدي وكأنني مقيد ..
- " لا
تُحاول .. فلقد انتهى دورك في المسرحية .. أنت الآن مُشاهد "
أقتربَت مني وهمست
في أذني :
- " ستشاهد
معي إنهائي لعالمك البائس الذي عاونتني بغبائك على إنهائه "
(يُتبع)
محمد العليمي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق